recent
أحدث المواضيع

قصة الشقة 1001 مع حارس المبنى




يقول صاحب القصة:

"كنت أعمل حارس أمن لأحد الأبراج السكنية في دبي، حيث كنت أشعر أني جزء من كل عائلة تسكن هذا البرج، فهم يأتمنونني على أطفالهم وسياراتهم وحتى بيوتهم، كما أنهم يقدمون لي الهدايا وأطباق الطعام والحلويات في المناسبات وحتى في الأيام العادية، لدرجة أن وزني قد ازداد بسبب المأكولات اللذيذة التي يقدمونها لي. كنت أفرح لفرحهم وأحزن لحزنهم، عندما كنت أداعب أطفال البرج، كنت أرى ملامح أبنائي الذين ودعتهم منذ 4 سنوات ولم أرهم بعدها سوى على شاشة الهاتف بمكالمات الفيديو والصور ويبتسمون لي.

 

في يومٍ من الأيام، اتصلت بي سيدة من سكان البرج وكان صوتها أشبه بصراخ وهي تستنجد بي وتطلب مني فتح باب الموقف الخاص بالبرج لسيارة الإسعاف لأن زوجها قد أُغمي عليه، اتجهت مسرعاً لفتح الباب وتسهيل دخولهم لاستقبال البرج والمصعد، وبقيت أنتظر على طاولتي في الاستقبال وأنا أتصبب عرقاً من الخوف والتوتر على ما سيجري. نزل طاقم الإسعاف الطبي مع الحالة المستلقية على السرير وأدخلوها إلى سيارة الإسعاف وبدءوا بقيام الإسعافات الأولية وكل ما يلزم.

 

لكن فجأة وجدت سيارة إسعاف أخرى تقف على باب مدخل الموقف الخاص بالبرج وطنين الإنذار يدوي المكان كله، اعتقدت أن هنالك حالةً حرجة أخرى في البرج، فركضت سريعاً لفتح الباب لهم، إذ بها سيارة إسعاف أخرى للحالة نفسها، حيث لم يتمكن طاقم سيارة الإسعاف الأولى من إنعاش قلب الرجل، الذي توقف فجأة وجعله يفقد وعيه، فطلبوا سيارة إسعاف أخرى علّها تستطيع إسعاف حالته.

 

كنت على أعصابي خاصة أني أسمع صراخ وبكاء الأم وطفلتها الصغيرة التي كانت تحمل دبدوبها الصغير أثناء إمساكها بيد المربية الفلبينية، تذكرت اللحظة التي مرض فيها والدي وأصيب بالحمى الشديدة عندما كنت صغيراً، حيث إنها كانت آخر مرة رأيته فيها قبل أن تفارق روحه الحياة.

 

ازداد صوت البكاء والصراخ علواً، فعلمتُ حينها أن الرجل قد فارق الحياة ولم يتمكن طاقم الإسعاف من إنجاده، انعقد لساني ولم أعرف ما الذي أقوله لزوجته المنهارة، وطفلته التي لم تستوعب ما الذي حدث تحديداً، فكانت تسأل والدتها "ما به أبي؟ لماذا لم يستيقظ حتى الآن؟". تجمع الدم في رأسي والدموع في عيناي ولم أشعر كيف انهملت الدموع على وجنتاي وأنا أستذكر وجه ذلك الرجل البشوش كل صباح وهو يلقي التحية أثناء ذهابه لعمله.

 

استكملت الزوجة الإجراءات مع سيارة الإسعاف التي غادرت حاملةً جثة الرجل المتوفي، وعادت الفتاة مع المربية إلى الشقة في الأعلى، وأنا بقيت مترقباً أي أمر سيحدث لاحقاً. جافاني النوم في تلك الليلة وتذكرت كل شخص عزيزٍ على قلبي غادر هذه الحياة، أبي، وجدتي، وخالي وغيرهم. إن الفراق مؤلمٌ جداً، ولعل الموتَ أشد أنواع الفراق ألماً، لا سيما أنه لا يليه لقاء بالدنيا.


مرت الأيام وبدأت ملامح الحزن تنجلي من وجه تلك الطفلة الصغيرة ووالدتها التي لا زال يعتصر فؤادها لهفة على فراق زوجها وتحمل مسؤولية فتاتها لوحدها، إلى أن جاء اليوم الذي أرسلت فيه طلباً عبر البريد الإلكتروني بدخول شاحنة نقل الأثاث لأنها ستغادر المبنى، تحدثت معها لاحقاً بشكل ودي عندما كانت عائدةً من عملها، وسألتها عن سبب المغادرة، فأخبرتني أنها لم تعد قادرة على تحمل مستوى الإيجار بالمبنى وستذهب للإقامة بمكان أقل سعراً وأقرب لأسرتها حتى لا تبقى ابنتها وحيدةً كثيراً أثناء غيابها في العمل.

 

وجاء يوم الرحيل، فاسترجعت بذاكرتي كل التفاصيل الجميلة التي حصلت منذ دخول هذه الأسرة للمبنى وإقامتهم بشقتهم 1001، نقلهم لقطع الأثاث بالتدريج، ألعاب جديدة لابنتهم بين الحين والآخر، مساعدتي لهم بحمل وإيصال أكياس البقالة، استقبال ضيوفهم وفتح باب المبنى لهم، مواساتهم لي وتعاملهم معي بلطف في كثير من الأحيان التي كنت أجدها طبطبةٌ على قلبي وروحي التي أُرهقت من العمل لمدة 10 ساعات يومياً، وسوء معاملة بعض المستأجرين، وفراقي لأهلي وأسرتي، والعديد العديد من التفاصيل الموحشة بالنسبة لي.

 




 

google-playkhamsatmostaqltradent