![]() |
| صورة برفقة بناتي ثالث أيام العيد |
أكثر من 190 يوماً، ستة شهور وأكثر، وإخواننا
على بقعة أخرى من الأرض وهم يبحثون عن الأمان بين القصف المتواصل، يتضورون جوعاً،
يداوون جروحهم الجسدية والعاطفية. مرّ رمضان وقلنا أيام خير وبركة، علّها تزيل هذه
الغمة، ولكن ذلك الكيان لا يفهم أيامنا المباركة، واستمر بتمزيق قلوبنا على
أشقائنا.
مع كل حبة تمر ورشفة ماء على أذان المغرب،
كنت أقول: "يا الله كم أنت كريم، أحييتني حتى أذان المغرب، ورزقتني الزاد
والماء، وها أنا أتناول فطوري كالمعتاد، وهنالك أناسٌ لا زالوا صائمين منذ
أيام!"
مارست فنون التبسيط بحاذافيرها خلال رمضان
هذه السنة، فلم أستقبل زواراً وأقم موائد كبيرة مثلما كنت أفعل في السنوات
الماضية، ولم أُلبِّ سوى دعوة إفطار واحدة مع أمي وأبي وأخوتي، لم أزر أية خيمة
رمضانية، وكثير من العادات توقفت عنها وبسطت العديد من التفاصيل.
ومع ذلك كنت أشعر بضيق في صدري، حتى أن هذه
الكلمات التي أكتبها اليوم في هذه المقالة بالكاد تخرج من جوفي! مرت أيام الشهر
الفضيل سريعاً، وهلّ هلال شوال وجاء العيد، فرحة العيد كانت مكسورة، لم أرغب
بإعداد كعك العيد ولكن عندما رأيتهم في خيام النزوح يعدون الكعك، أسرعت لشراء طبق
صغير لأحدث ابنتي بأن العيد يعني كعكاً ولا بد من أن يكون حاضراً بلا منازع!
عيدنا كان تماماً مثل مقطع الفيديو هذا،
ظاهرياً أرتدي فيها ملابس جميلة (أمتلكها منذ سنوات وأعتز بأصلها وفصلها) وأبتسم
وأنا أحتضن ابنتي الصغرى آية، وأنادي ابنتي الكبرى لينا، وأبتسم، ولكن.. القهر
يملأ قلبي والحسرة كسرته، لم أنسَ داخلياً تلك الأصوات التي عشعشت في ذهني، ولا
أدري كيف هو حال الأمهات المكلومات اللواتي فقدن أبناءهم وحلّ أول عيد دونهم!
لم يكن للعيد نكهة خاصة لدي سوى في طفولتي
وعندما أصبحت أماً، عيدي فرحة بناتي بأثواب جديدة ألامس تفاصيل الفرح على وجوههم، وتناول حلويات دون حد وقول لا هذا يكفي، وسهر ونزهات وزيارات وهدايا وعيديات، والكثير.. تلك التفاصيل التي أعيشها
مجدداً معهم، حُرِم منها العديد من الأمهات.
أذكر أحد الأصدقاء الذي فقد ابنه بعمر السبعة
شهور، إثر عملية قلب مفتوح، قد نشر صورةً لقبره في أول أيام العيد وكتب "عيدك
يا بابا في الجنة أحلى"، واستذكرت تلك الصورة التي شاهدتها على السوشيال
ميديا وأسقطت مثلها العديد على حال الأمهات هناك..
وليس فقد الأم لأبنائها فقط، فكل من فقد ذويه
وأشقائه متألمٌ أيضاً، عندما قبّلت يداي أمي وأبي يوم العيد، واحتضنت إخواني
الشباب والبنات وأبناءهم وعايدتهم، جلست أناظرهم جميعاً وأقول: "يا الله كم
أنت كريم جمعتني بأسرتي، وأحييت أمي وأبي كي يرونا بصحبة أبنائنا، شكراً وحمداً لك
يا الله" واستحضرت حينها مشاعر آخر ناجٍ من الأسرة، كيف يقضي العيد دون لمّة
عائلته، بل ذهب ليزور أنقاض بيت العائلة ويستذكر رائحة كعك أمه ولحظة توزيع أبيه
للعيدية، وتناول الفسيخ في صباح أول أيام العيد.
تغيرتُ كثيراً منذ السابع من أكتوبر، أعترف
أنني أصبحت أكثر زهداً في الحياة، وأمارس فنون التبسيط قدر الإمكان، وأعترف أنه
وإن انتهت الحرب، لن تزول ما خلفته من آلام وجروح دامية في قلوبنا نحن العاجزون
المغتربون.

