recent
أحدث المواضيع

في التخلّي تجلّ


نحن نعيش في حياة ليست عادلة أبداً، فكيف للعقل البشري تصور أن هناك بقعة من على وجه هذه الأرض يعاني شعبها من شح المياه والبرد القارس، في حين أن العديد من بقية شعوب العالم ينامون بهناء، يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، يسعون لتحقيق أحلامهم.

أسأل نفسي دوما: "لماذا يحدث هذا؟ وهل نحن أكثر حظاً من هؤلاء الذين سلبت منهم أحلامهم وطموحاتهم؟"

تخيل فقط، استيقاظك مثقلًا كل يوم من ليلة ليست هانئة لذلك الحد، الذي تغفو به عيناك على صوت الصواريخ والدبابات، ثم تتجول في حارة بيتك، فتتأمل تلك الجدران التي هبطت على الأرض وتراكمت حجارتها، فوق أرواح اعتلت للسماء، لكنها أعلنت انتهاء الأحلام، الآلام، الخوف، الجوع، الذكريات... كل شيء اعتلا للسماء مع ذلك الدخان.

فتسترجع ذكريات الحارة، تذكُر أن جيرانك بهذا البيت قد رحلوا، وتذكُر ذلك الزقاق التي كنت تلتقي بها مع أصدقائك قد ضاقت واختفت تماما بسبب الركام، تذكُر رائحة الحارة كيف كانت مليئة بالبهجة والحياة وكيف أصبحت حارة أشباح، تذكُر صراخ الأطفال وأصوات نداء الأمهات على أبنائهم، تذكر شكل الأسفلت قبل أن يختفي تحت الركام.

وأنت تسترجع كل هذه الذكريات تلتقط عدداً من الصور لإرسالها لجهة عملك، فهذا رزقك وإن كانت الحرب قائمة لا مجال للتقاعس والكسل، ثم تتجول في الشوارع بسيارة شبه محطمة بالكاد تمشي، محمّلة بعشرة ركاب بدلاً من 4، لكن فجأة يعم السواد أمامك، فلا ترى شيئاً سوى الدخان وصوت الطنين فقط مع صرخات وشهقات بالكاد تسمعها فأذنك قد صُمّت تماماً من شدة الانفجار، بعدها ببرهة من الزمن ترى بصيصًا من النور أمامك بنهاية ممر أفقي معتم، كأنه بئر، تصعد بروحك للأعلى وتشعر أن جسدك خفيف جدًا كخف الريشة، وتستمر بالصعود لاحقًا بذلك الضوء الخافت، إذ بك تجد والدتك وأختك وأخوك وابن أخيك كلهم مبتسمون فرحون بلقائك، مادين إليك أيديهم ويباركون لك قدومك، فيحتضنونك بأذرعهم ويربّتون على كتفك ويقولون لك: "معلش، هنا اللقاء."


تخيل فقط... هذا ما تخيلته أنا عندما رأيت وداع الصحفي وائل الدحدوح لابنه الذي انتقل إلى رحمة الله منذ أيام في غزة. استمر بالتخيل ولا تعتد المشهد، عش الألم، وتخلى عن كل ما يؤذيك، ففي التخلي تجلٍّ للجسد والروح.

google-playkhamsatmostaqltradent