حدثني صاحب القصة وهو شاب بعمر السادسة عشر، مقيم مع أسرته في حي الشجاعية بقطاع غزة قائلاً: "في المرة الأولى التي غادرنا فيها من بيتنا في حي الشجاعية، كنا نعلم وجهتنا التي قد تكون أقل خطراً، حيث غادرنا إلى خانيونس التي تبعد عن بيتنا قرابة 25 كيلو متراً.. ركبنا سيارة أجرة دفعنا لصاحبها 300 شيكل (ما يقارب 80 دولار أمريكي) إلا أن مشوار كهذا كان يتطلب 50 شيكل فقط سابقاً قبل الحرب!
مكثنا أنا أخواتي شيماء ورشا ويحيى وأمي في بيت أختي الوسطى أمل بخانيونس لعدة أيام، كان يقع بيتها بالقرب من أحد المدارس التابعة لوكالة الغوث (الأونروا) والتي عجّت باللاجئين آنذاك. كانت أختاي شيماء ورشا على وجه ولادة بشهرهم الأخير من الحمل، وكانت تزداد لديهم آلام المخاض كلما اشتد القصف، ولكن ولله الحمد ولدت أختي شيماء ولادة قيصرية، وأنجبت طفلة أسميناها آمنة، تيمناً منا بأن تكون لنا فال أمن وأمان يحل علينا بإذن الله.
لا يمكنني وصف أصوات أنينها من الألم الذي عانت منه بالأيام الأولى بعد عملية الولادة، فقد تمت العملية دون تخدير، وفي ظل ازدحام المستشفيات بالجرحى والمصابين لم تنعم بعناية عظيمة، خرجت من المستشفى ولم يكن لدينا بالبيت كسرة خبز تتناولها ولا كوب ماء صالحٍ للشرب حتى، لم يكن لدينا سوى بعض الزعتر وعبوات البسكويت الذي وزعته وكالة الغوث علينا. لكن رحمة الله وسعت كل شيء، فكان بالقرب من البيت مقابل المدرسة رجل يوزع أسياخ لحم كباب مشوية لله عز وجل، كي يسد جوع الناس، فأعطاني 5 أسياخ منها عندما أخبرته أن لي أخت نفاس وبحاجة لغذاء سليم.
مرت الأيام ثقيلة علينا، وجاءت الهدنة، حاولنا العودة للتأكد من حال بيتنا في الشجاعية وأن نأخذ بعض الملابس الشتوية والأغطية لأن الشتاء حلّ علينا ولم نكن نعلم أن الحرب ستطول لهذا الحد. وفي طريقي مع رفاقي وأبي نحو البيت، وجدت الكثير منا ترتسم على وجهه ملامح الأمل بالعودة لديارنا وجزء من حياتنا بهدوء وسلام، ولكن تفاجأنا بتغير ملامح الناس وهي تعود أدراجها للمخيمات والمدرسة التي كنا فيها، لأنه وببساطة كانت الطريق مغلقة ولا أمل بالعودة إلى الشمال.
بعد الهدنة، بيومين أنجبت أختي رشا طفلةً أسميناه آلاء، ولله الحمد كانت ولادة طبيعية، لا أنسى اليوم الذي اشتد ألم المخاض عليها، وسارع أبي وأخذها إلى المستشفى ولكنني بقيت مع أمي وأخواتي كي لا يبقوا بدون رجل، كما أوصاني أبي. بقيت أمي تبكي وتدعو الله عز وجل أن يصلا سالمين إلى المستشفى وتتم ولادتها على خير وألا يؤلم قلبها، خاصةً أنها فقدت طفلتها بعمر الخمس سنوات في الحرب السابقة.
اتصل بنا أبي بعد ساعات وأخبرنا بأنها بخير وسرعان ما عادا إلى البيت بعد بضعة ساعات، كانت أختي رشا قد أسيمتها آلاء على اسم ابنتها التي استشهدت في الحرب السابقة، وكانت تقول أن عوض الله جميل بكل حالاته وبالرغم من كل الألم والحرب. حاولت أمي مساعدتها وتقديم بعض الطعام لها كي تقوى على رضاعة الطفلة، ولكن لم يكن لدينا سوى بعض العدس الذي طبخته أمي ولم نجد خبزاً كي نأكله معه.
لم يتخيل أحد منا أن يزداد الوضع سوءاً بعد انتهاء الهدنة، بما فيهم أنا شخصياً، ففي أيام الهدنة شعرت وأننا بدأنا نعود لحياتنا الطبيعية وبدأنا التخطيط لكيفية قيامنا بالبدء من جديد لتعمير مكان نعيش فيه، وما الدروس التي يجب عليّ دراستها بالرغم من إغلاق المدارس وانتهاء العام الدراسي. لكن حدث ما لم يكن في الحسبان واضطررنا لإخلاء بيت أختي.
غادرنا بيت أختي في خانيونس إلى شارع صلاح الدين بالاتجاه نحو رفح جنوب قطاع غزة.. ولكن هذه المرة ليس هنالك مأوى أو بيت أحد نعرفه كي نمكث فيه، مشينا على أقدامنا قرابة 11 كيلو متر أنا وأخواتي وأمي وأبي الذي عاد وأخيراً من عمله في الأراضي المحتلة، تناوبنا على حمل الأطفال الصغار، وصادفنا عمي بالطريق وهو يقود كارّة الحمار، فحمل بعض الأغراض الثقيلة وأمي وأختي النفاس التي مر على ولادتها 3 أيام فقط.
وصلنا لقطعة أرض وجدنا العديد من الناس قد نصبوا الخيام فيها، فوضعنا أغراضنا ونصبنا خيمة كي نمكث فيها، قضينا أول ليلة لنا في خيمة، كانت ليلة بردها قارس جدًا، بطوننا خاوية، وجوهنا شاحبة، وحلوقنا جافة من قلة الماء والغذاء. تأملت وجودنا معاً فحمدت الله أننا كاملي العدد ولا ينقصنا أحد، ولم يفارق أحد منا الحياة بعد. هكذا أصبحث حياتنا في العراء دون مأوى، على مر 60 يوم لم ننعم بنوم عميق، كلما سمعت صوت القصف كنت أتمنى أني أحلم وأن ما يحدث هذا مجرد كابوس سأستيقظ منه قريباً.


