تساءلت كثيرًا عن كلمة "أرباب العمل" التي لطالما ترددت على أذني منذ طفولتي، وكنت أرى العمال من الجنسيات الآسيوية ينادون مسؤوليهم بالعمل بكلمة "أرباب" ويسعون دوماً لطاعته وطلب رضاه بكل كبيرةٍ وصغيرة.
كنت أستغرب كثيراً عن مدى ذلك الحرص والولاء بالتعامل مع "أرباب العمل"، وكأنه هو الإنسان الذي قُصد به "خليفة الله على الأرض"، لكنني مع خبرة العمل المكتسبة بين أرباب عمل صلحاء وطلحاء، بين نعمة ونقمة على هيئة بشر، وجدت أنهم يتحكمون بحياتنا وقراراتنا بشكل كبير، وكل ذلك فقط لأجل لقمة العيش.
لا أنسى قصة تلك الممرضة التي قابلتها في قسم الطوارئ إحدى المرات التي ذهبت بها للمستشفى، حيث أخبرتني حينها عن انتقالها من العمل في السعودية إلى الإمارات بعدما اضطرت لإرسال ابنها الرضيع بعمر السنة إلى وطنها الفلبين كي ترعاه جدته، لعدم مقدرتها على منحه حقه بالتربية والرعاية، كل ذلك كان بسبب سلطة مديرتها "المرأة" عليها بالعمل وجبروتها بفرض ورديات عمل ليلية، متجاهلةً الإرهاق الذي تعاني منه الأم بالسهر والرضاعة والرعاية.
ولا أنسى قصة أحد الشباب بأحد الدول الخليجية الذي طالت مدة خطوبته بسبب عدم موافقة رب العمل على بعض الإجراءات لإتمام عقد القران والإجراءات الرسمية للزواج، وشاب آخر مغترب لم يتمكن من حضور حفل زفاف شقيقته الوحيدة لعدم سماح عمله بالسفر، إلا بعد دفع مبالغ الفيزا والتأمين الصحي بالكامل.
وقصة رجل آخر اختار البقاء طيلة أيام الأسبوع بأحد المدن التي تبعد عن بيت أسرته 200 كيلومتر، ويعود للقائهم يومي عطلة نهاية الأسبوع، كي يتمكن من الحضور على وقت البصمة كل صباح، ويتخلص من مضايقة مديره له بالنظرات والكلام.
ولا أنسى أيضاً شكل أحد الصديقات التي لازمت العمل على جهاز الكمبيوتر والهاتف، طيلة أحد الأمسيات الرمضانية التي التقينا فيها بعد عناء، لضيق وقتها بالعمل الذي لم يرحمها حتى في شهر العبادة.
وقصص كثيرة أخرى ترويها بيئات العمل للسيدات والرجال، والتي لا أراها تنبع سوى من عقدة نقص يمر بها هؤلاء "المدراء"، سواءً إثر النشأة أو القرارات الشخصية أو تعرضهم لتنمر وظيفي مسبق أو حتى معتقدات واتجاهات فكرية متطرفة تجاه العرق واللون، لكن تبقى تساؤلات عديدة تدور بمخيلتي "هل أصبح أرباب العمل يتحكمون ببعض القرارات المصيرية؟"
و"لماذا تقل قصص النساء الإداريات والمديرات الداعمات لغيرهن من الموظفات النساء بالرغم من مرورهن بمعاناة الموازنة بين الأسرة والعمل؟"
أنتظر ردودكم وتعليقاتكم على هذا المقال.
