recent
أحدث المواضيع

الوظيفة .. أكون أو لا أكون!


 لم تكن جائحة كورونا السبب الوحيد لخسارة العديد من الناس لوظائفهم، ففي السنوات الماضية طبقت المؤسسات والشركات بالقطاعين الحكومي والخاص مفهوم تقليص الميزانية والنفقات، والتي فقد إثرها العديد من الموظفين وظائفهم.

للأسف اعتبر نفسي من تلك الفئة التي تبدو سائدةً بالعقد الماضي، أو على الأقل بين أبناء جيلي، جيل التسعينيات، الذي شهد العديد من الحروب والثورات كحرب تحرير الكويت، الانتفاضة الثانية بفلسطين، الأزمة الاقتصادية العالمية 2008، الربيع العربي، ظهور تنظيم داعش والدمار الذي أحله بسوريا، أزمة لبنان، والتغييرات الرقمية والتكنولوجية كالعملات المشفرة والرموز غير قابلة للاستبدال والذكاء الاصطناعي وغيرها من تغييرات قلبت موازين الحياة عموماً فبدأنا اعتيادها وتقبلها.

تلك الفئة أعتقد بأنها تعيش في حالة صراع دائم مع الحياة ومتطلباتها، هم شباب طموحون يرغبون بتحقيق أحلامهم وأحلام ذويهم سواء تلك الأحلام التي لم يتمكن ذويهم من تحقيقها عندما كانوا بعمر أبنائهم، أو حتى الأحلام التي غرسوها أثناء تربيتهم لأبنائهم وباتوا متعطشين لرؤيتها أحلامهم متحققة على أرض الواقع.

أعتقد بأننا نحن ذلك الجيل الذي نشأ على مفهوم "عملك أولويتك الأولى"، خاصةً وأننا عشنا لحظات تجمع بين شقاء ورغد العيش مع أهالينا، فانطبعت بذاكرتنا أهمية الالتزام بالعمل والاستمرار بالسعي الدائم إلى الأفضل، حتى باتت قيماً أساسية في تعاملاتنا اليومية، فأصبح العمل لدينا أولوية أولى قبل الصحة والعائلة، وقبل الشغف الموجود داخلنا، أصبحت الحاجة الملحة للمال تفرض علينا العمل بمجالات لا نحبها، وإن كانت مجالات نحبها، ضغوط العمل و"نفسيات" الزملاء كفيلة بنزع هذا الشغف وتحويله لنفور كبير.

أن يكون "عملك أولويتك الأولى" ليست بالأمر الخطأ، لكننا ننسى دوماً أن تنقلنا بالحياة الوظيفية أشبه بأحجار لعبة الشطرنج، فاليوم قد أكون بصف يدافع عن الملك، وباليوم التالي قد أكون بيدقاً (جندياً)، وفي يوم آخر قد أكون حصاناً أو فيلاً أو حتى وزيراً، كل تلك المستويات المختلفة بأحجار لعبة الشطرنج، تشبه تماماً انتقالنا من وظيفة لأخرى، كي تذكرنا بأن التغيير والتنقل أمر طبيعي بالحياة، وأن الأرزاق موزعة ومقسمة بحكمة المولى عز وجل.

وبالمقابل، نحن نشأنا على أن العمل هويتك التي تمنحك احتراماً يليق بك وسط عائلتك وأصدقائك وحتى مجتمعمك المحيط بك بالحي أو العمارة، فلا أجمل من أم تقول "ابني المهندس أتى" أو "ابنتي الطبيبة راحت"، أو صديقة تقول "صديقتي الصحفية تعمل بصحيفة كذا"، وغيرها من تباهي وتفاخر اجتماعي.

حقيقةً لا أعتبر هذه النقطة أمراً مبالغ به، فهي تمنحك احتراماً وحضوراً يشعرك بقيمتك كإنسان متعلم ومثقف وتعب على تنمية وتطوير ذاته، إلا أنها تثقل عاتقك نوعاً ما خاصةً عند خسارتك لوظيفتك، وتجعلك تعيش حالةً من الإحباط، كونك خسرت جزءاً هاماً من هويتك، وعشت هذا حقيقةً بالفترة الأخيرة بعدما اعتدت التعريف بنفسي "سلمى العالم صحفية من صحيفة كذا" تختلف كثيراً عن "سلمى العالم محررة صحفية". وكأن الارتباط بالوظيفة أصبح بمثابة أن أكون أو ألا أكون!

الوظيفة .. أكون أو لا أكون!
سلمى العالم

تعليقات

8 تعليقات
إرسال تعليق
  • غير معرفالأربعاء, 17 أغسطس, 2022

    السلام عليكم
    موضوع جميل موفقة في الطرح
    ولكن أنا أتعارض معك في بعض النقاط التي طرحتها في مقالك
    أن أكون أو لا أكون عنوان جميل ، ولكن جعلت من العمل سبب للحياة وترك العمل سبب لفقدان الشخصية والشغف والحياة بشكل عام
    نعم وجود العمل مهم ولكن أحيانا نضطر عندما نطرد من أعمالنا ووظائفنا تكتشاف مواهب وإبداعات خلاقة .....
    كثيرة هي الاختراعات التي جاءت بعد طرد الشخص من وظيفته وشعوره بالملل ، ما أدى به إلى القيام بإبداع واختراع شيء مهم للبشرية ...
    حتى أنت جميل أنك كنت صحفية في مجلة كذا
    ولكن برأيي بأن مدونتك هي أجمل وأروع لأنك أصبحت حرة في اختيار موضوعاتك وعناوينك


    الكاتبة ليلاس نصر شاهين

    حذف التعليق
    • سلمى العالم photo
      سلمى العالمالسبت, 20 أغسطس, 2022

      شكرًا على مرورك الكريم، ولكن للأسف هذا هو الواقع بأن الإنسان لا يستطيع مواكبة الحياة ومتطلباتها بلا عمل او مصدر دخل

      حذف التعليق
    • غير معرفالخميس, 18 أغسطس, 2022

      اعتقد هوية او احساسه بقيمته الإنسان غير مرتبطة كليا بوظيفته. فهو يستطيع أن يكون ما يشاء بقيمته التي خلقه الله ومجهوده ما دام واعيا لذاته. اعرف انه ليس سهلا ولكنه ليس مستحيلا
      شيرين عفيفي

      حذف التعليق
      • سلمى العالم photo
        سلمى العالمالسبت, 20 أغسطس, 2022

        تماماً صديقتي "ليس سهلاً، وغير مستحيل" وهذا ما قصدته على ارتباط الهوية الانسانية بالعمل

        حذف التعليق
      • غير معرفالجمعة, 19 أغسطس, 2022

        طبيعة المجتمعات هي اللي بتفرض قيمة الوظيفة والمسمى
        تعريف نفسك كصحفية أو فنانة أو حتى طبيبة لا يشترط انتمائك لمكان

        حذف التعليق
      • كنانة عبدالعالالجمعة, 19 أغسطس, 2022

        موضوع جداً مهم. وأعجبني طرحك له .. بوعي كامل لأبعاد الحالة التي قد عاشها الكثير ..
        نحن من نبني كياناتنا بتوفيق وتيسير الله عز وجل.
        كل التوفيق سلمى بكل ما تفعلينه صديقتي.

        حذف التعليق
      google-playkhamsatmostaqltradent